الثلاثاء، 30 أبريل 2013

حياة احمد شوقي وثقافته الجزء الثاني

 الباب الثالث


الفصل الأول :
أولاً : نقد الإنكليز والمتواطئين معهم
ثانياً : الوفاء لتراث مصر
ثالثاً : تاريخ مصر

الفصل الثاني :
أولاً : الولاء للإسلام
ثانياً : حب الوطن
ثالثاً : استنهاض الهمم

الفصل الثالث :
أولاً : الإيمان بالشعب وبالمؤسسات والدستور
ثانياً : التسامح الديني
ثالثاً : التنويه بالثورة العربية


الفصل الرابع :
أولاً : الدعوة إلي العلم والمعرفة
ثانياً : من الخصائص الفنية في وطنيات شوقي
ثالثاً : بناء القصيدة

الفصل الخامس :
أ - الصورة الشعرية القائمة علي التشبيه
ب- الصورة الشعرية القائمة علي الاستعارة
جـ - الصورة النغمية أو الرصانة الشعرية

الفصل الأول

أولاً : نقد الإنكليز والمتواطئين معهم


إن الحوادث التي كانت تجد في مصر هي التي تذكي في نفس شوقي لهيب وطنيته ،
ومن الحوادث العظيمة نقل الطاغية كرومر من مصر بعد أن جثم علي صدرها أربعا
وعشرين سنه يعسف بالناس ويقتلهم وينهب خيرات البلاد ، وينصب من يشاء ويعزل
من يشاء .

وقد خطب كرومر يوم رحيله عن مصر في حفل توديع أقيم له سنة 1907 فندد
بإسماعيل وعصره وذم المصريين وشتمهم لأنهم في نظره لم يقدروا منن الاحتلال
الإنكليزي ولم يعترفوا بجميله عليهم .

ومما ورد في خطبة اللورد كرومر وكان قادحا لسخط شوقي قوله : " أننا في ربع
قرن قد أدينا عملا طيبا علي ما فيه من القصور ... ولا يمكن أن أصدق أنه
يمكن للمصريين أن يتنكروا للتمدن الغربي الذي جلبته لهم إنكلترا في خلال
الخمسة والعشرين عاما ، ذلك التمدن الذي نشلهم من وهدة اليأس بعدما هرموا
فيها . وهب أبناء الجيل الحاضر لا يعترفون بهذه الحقيقة فإني لا أزال آمل
أن يعترف بها أبناؤهم ، إذ المعتاد أن يكون أولاد العميان مبصرين ... إن
الاحتلال البريطاني سيدوم ويبقي ... ولا يكن عند أحد ريب في هذه الحقيقة
الثابتة " .

وقد تجلي غضب شوقي في قصيدة مطوله عبر فيها عن غضبه وغضب الناس تجاه وقاحة
المستعمر وتحديه لحقوق الشعب ، وجعل أي احتلال هو مرض عضال لابد للشعوب أن
تبدأ منه يوماً :

 أم أنت فرعون يسوس النيل         أيامكم أم عهد إسماعيلا
 لا سائلاً أبداً ولا مسؤولا            أم حاكم في أرض مصر بأمره
 وكأنك الداء العياء رحيلا            لما رحلت عن البلاد تشهدت
 أدب لعمرك لا يصيب مثيلا         أوسعتنا يوم الوداع إهانة
 كنا نظن عهودها الإنجيلا           اليوم أخلفت الوعود حكومة

وكما نقد شوقي كرومر باعتباره ممثلا للاحتلال البريطاني وشنع بأعماله ،
نقد كذلك سلوك المصريين المتواطئين مع الاحتلال السائرين علي نهجه ،
المتشبهين بأذياله ، ومن هؤلاء نذكر رئيس الوزارة " رياض باشا " الذي طالب
الخديوي عباس أن يعتذر إلي الإنكليز لأنه نقد أحد قاداتهم ، ولما أبي
الملك أن يعتذر تقدم رياض رئيس الوزارة المصرية من كرومر وبرأ نفسه من
صنيع الملك وراح يلح في الأعذار وألقي خطاباً مجد فيه الإنكليز ونقد
عباساً ودولته . ومما ورد علي لسان رياض باشا في هذه الخطبة قوله منوهاً
بمزايا الاحتلال : " فهذه اليد الفعالة قد شملتنا ، وهي التي كانت لنا
معوانا ، بل متمماً ومكملاً لهذا المشروع ، فحق علينا أن نعرف هذه المبرة
، ونقدم لجنابة ( كرومر) واجب الشكر ، ونثني عليه أطيب الثناء ، ونرجو ،
ألا يترك هذا المولود في المهد صبيا ، بل يراعيه بعين عنايته ويواسيه
ويواليه إلي أن يتربي ويبلغ أشده ، ويصير رجلاً قوياً يقوم بأود نفسه .

ولئن استنكر الحاضرون هذا التملق الفاضح فإن شوقي خرج من مجرد الاستنكار
إلي التنديد بقصيدة رد فيها علي هذه الخطبة ، والممالاة لمن قهروا مصر
والمصريين :
 وهم غمروك بالنعم الجسام        غمرت القوم إطراء وحمدا
 فكيف اليوم أصبح في الرغام      رأوا بالأمس أنفك في الثرايا
 أضيف إلي مصائبنا العظام       خطبت فكنت خطباً لا خطيباً
 وجرحك منه لو أحسست دام      لهجت بالاحتلال وما أتاه
 وما أغناك عن هذا الترامي       وما أغناه عما قال فيه
 وذا ثمن الولاء والاحترام        أجبت البلاد طويل دهر

ثانيا : الوفاء لتراث مصر
تغني شوقي بتراث مصر العظيم في غرر من قصائده المطولة ، وتجلي اعتزازه
بهذا التراث المتنوع صريحا أراد أن ينقله غلي جيل الشباب حتي يبعثوه حيا
ما جدا من جديد .

ثالثاً : تاريخ مصر
لقد دون شوقي تاريخ مصر في قصائد مطوله مثل " انها النيل " و " وداع
اللورد كرومر " وخاصة في " كبار الحوادث في وادي النيل " التي قدمها
للمؤتمر الدولي المنعقد في جنيف في سبتمبر 1894 بصفته مندوبا للحكومة
المصرية ، وهي تدل دلاله واضحة علي ما يكنه الشاعر لوطنه من ألوان الوفاء
والولاء من جهة وعلي ثراء ثقافته وقدرته علي تجاوز المادة التاريخية إلي
ما وراءها كي يستنهض الأمة ضد من يحتل أرضها ويشكك في قيمة تراثها ويزرع
بذرة الإحباط في نفوس أبنائها ، كان لابد أن يصدح الشاعر بعظمة مصر ويذكر
بمآثرها وعلمائها وعظمائها وإشعاعها الحضاري علي أصقاع العالم يقول طالع
هذه القصيدة :
همت الفلك واحتواها الماء وحداها بمن تقل الرجاء
في هذه القصيدة المطولة التي قارب عدد أبياتها الثلاثمائة يذكر الشاعر
بتاريخ مصر عندما كانت تسيطر علي البحار وتملك الرقاب ويشيد بإنجازات
الفراعنة وخاصة منها الأهرامات ويصور عصرهم تصويرا مبدعا ، ويعدد مآثرهم
لا تعداد المؤرخ الموضوعي المحايد وإنما تعداد المؤرخ الذي ينفعل مع
التاريخ حتي يصرخ متحمساً معتزاً :
 وعلونا فلم يجزنا علاء    وبنينا فلم نخل لبان
 والبرايا بأسرهم أسراء    وملكنا فالمالكون عبيد
ويتعرض الشاعر إلي أعلام العصور المختلفة فيبرز عظمة رمسيس وهيبته وقوة
سلطانه ومحبة الناس له وحنكته السياسية وحسن تدبيره الدولة وعدم اغتراره
بالدساسين والسفهاء وهو بكل هذه الخصال يفوق علي جميع الملوك علي مر
الأزمان وحتى العصر الحديث ، فهو المثال الذي يصلح أن يكون قدوة لغيره
وعلي هدي خطاه ينبغي أن يسير كل ملك يروم بسط سلطانه والاحتفاظ بعرشه

الفصل الثاني


الولاء للإسلام
حب الوطن ، استنهاض الهمم

أولاً : الولاء للإسلام :

تنطلق الشوقيات باعتزاز شوقي بالدين الإسلامي ، واعتباره درعا يقي
المصريين من طعنات الاحتلال . وقد خص لتعاليم الإسلام أكثر من قصيدة " نهج
البردة " ، وفيها إكبار للرسول لأنه حمل أعظم الرسالات ودعا إلي مبادئ
سامية فصلها شوقي تفصيلا في مطولته ، ورأي في الرسول قدوة يقتدي به
المسلمون ليخرجوا من جهلهم وهزائمهم ، ورأي في مبادئ العدل التي دعا إليها
والعلم الذي أقره ينابيع الحضارة الحق :

 كم شيد المصلحون العاملون بها  في الشرق والغرب ملكا باذخ العظم
للعلم والعدل والتمدين ما عزموا  من الأمور وما شدوا من الحزم
 وأنهلوا الناس من سلسالها الشبم        سرعان ما فتحوا الدنيا لملتهم
ومن المبادئ الإسلامية التي أشاد بها شوقي المساواة بين الفقراء والأغنياء
واعتبار التقوى فوق الجاه والمال ، يقول مخاطبا الرسول :

فرسمت بعدك للعباد حكومة  لا سوقه فيها ولا أمراء
 فالكل في حق الحياة سواء                  أنصفت أهل الفقر من أهل الغني
 ما اختار غلا دينك الفقراء                 فلو أن إنسانا تخير ملة

ثانياً : حب الوطن

كان حب الوطن متغلغلاً في نفس شوقي ، فلما نفي عن مصر وأحس الاغتراب توهجت
وطنيته وأحس حنينا جارفا غلي مصر دل علي ما بداخله من كرم الطينة والوفاء
للأهل والديار ، وقد قال أحد الحكماء قديما : " حنين الرجل إلي وطنه من
علامات الرشد " .
وقد نظم شوقي قصائد عدة في الحنين إلي الوطن لعل أظهرها تلك التي مطلعها :
 اذكرا لي الصبا وأيام أنسي          اختلاف الليل والنهار ينسي
 نازعتني إليه في الخلد نفسي         وطني لو شغلت بالخلد عنه
 شخصه ساعة ، ولم يخل حسي     شهد الله لم يغب عن جفوني

وقد نظم شوقي قصيدة مطولة عارض بها قصيدة ابن زيدون الأندلسي والتي مطلعها :
 وناب عن طيب لقيانا تجافينا         أضحي التناهي بديلاً من تدانينا

أما مطلع قصيدة شوقي :

 نشجي لواديك أم نأسي لوادينا        يا نائح الطلح أشباه عوادينا

وفيها غني شوقي غناء حزين ، وحن حنيناً إلي مصر رقيقاً وتمني جرعة من
النيل تروي عطشه وتبل حرقته ورأي في ابن زيدون غربة وحرماناً تلتقي وحرقته
:
 عهد الوفاء وإن غبنا مقيمينا         يا ساكني مصر أنا لا نزال علي
 شيئاً نبل به أحشاء صادينا          هلا بعثتم لنا من ماء نهركم
 ما أبعد النيل عن أمانينا               كل المناهل بعد النيل آسنة

فكيف كانت عودة شوقي إلي مصر ؟

في سنة 1919 وفي قصر السلطان حسين كامل بمصر وكان قد جمع أصدقاءه وخاصته
في ليلة من ليالي الأنس ، إذ التمس منه الشاعر المصري وصديق شوقي ،
إسماعيل صبري أن يسمح للشاعر الغريب بالعودة إلي الوطن فتزدان به مصر
ويفخر به المصريون فاستجاب السلطان لطلب إسماعيل صبري وأذن لشوقي بالعودة
إلي مصر ، فاستعدت جماهير من الطلبة ومن عموم الناس لاقتباله ، ولما
اقتربت السفينة من الميناء طفرت الدموع من عينه وهتف قائلاً :
يا وطني لقيتك بعد يأس كأني قد لقيت بك الشبابا
 علي         ولو أني دعيت لكنت ديني ه أقابل الحتم المجابا
 إذا فهت الشهادة والمتابا        أدير إليك قبل البيت وجهي

وقد أتاح النفي لشوقي أن يراجع حياته وبعض مواقفه التي جانب فيها الصواب
وحاد عن مطامح الوطن كالمواقف الجادة التي وقفها من أحمد عرابي ، وصار
شوقي يؤمن بالشعب بطلاً أوحد في التاريخ ويهجن من سلطة الأفراد .

ثالثا : استنهاض الهمم

أدرك شوقي بعد عودته من منفاه ، أن الشباب الذي حمله علي الأعناق أكراما ،
إنما هو القوة الضاربة في مصر وهو القادر علي تبديل حال بحال ، وإليه توكل
الثورات التي تعصف بالحكام والطغاة فكان يتوجه إلي الشباب ينفخ فيهم لهيب
الثورة ويحثهم علي مواصلة المقاومة التي بدأها أحرار مصر :
 ملبي حين يرفع مستحبابا         شباب النيل إن لكم لصوتا
فهزوا " العرش " بالدعوات " حتي يخفف عن كنانته المصابا   
ولم يكن نداء شوقي للشباب إلا دعوة لتبديل نظام بنظام وعرش بعرش بسواعد عهد فيها التضحية من أجل " الحرية الحمراء " .

وقد يتجاوز شوقي خطابه لشباب مصر ليشمل كل الشباب المتفجر حيويته ، فيصوغ
له المثل المنشود حكما تتجاوز الزمان والمكان وترسم الغد المضئ بالجهد
والجهاد :

 ولكن تؤخذ الدنيا غلابا        وما نيل المطالب بالتمني
 إذا الإقدام كان لهم ركابا      وما استعصي علي قوم منال
وإذا كان الشباب عماد الثورة " يهز العرش " فلا بد من عدة يعدها لهذا الأمر الجلل ، وهذه العدة هي العلم والمعرفة .

وقد ألح شوقي أيما إلحاح علي العلم واكتسابه والتفاني في تحصيله ، فهو عدة
الشباب ليسترجع ماضيه التليد ، وليبني مستقبله المشرق وليقاوم الاحتلال في
حاضره المقيت :
 واطلبوا الحكمة عند الحكماء         فخذوا العلم علي أعلامه
واقرؤوا تاريخكم واحتفظوا خلقت نصرتها للضعفاء
 هي ضاقت فاطلبوه في السماء       واطلبوا المجد علي الأرض فإن
بمثل هذه الأبيات الخطابية توجه شوقي يحفز الهمم وينير البصائر خاصة وقد
شهد عن كثب آثار العلم في المدينة الأوربية ، وأدرك البون البائن بين
الحضارتين وعلم أن تفريط العرب في علومهم زمن الانحطاط إنما هو السبب
المباشر في الاستعمار بشتي أشكاله .

الفصل الثالث

أولاً : الإيمان بالشعب وبالمؤسسات والدستور

إن السنوات التي قضاها شوقي بعيدا عن الوطن منفيا في أسبانيا ثم ذلك
اللقاء الجماهيري الضخم الذي قابله به المصريون واعتبروه بطلا قائدا من
منفاه قد غير أرستقراطية شوقي وقربه أكثر من شواغل الشعب وهمومه ، وخفف من
حدة تبعية للخديوي وللوظيفة وأعطي شعره مجري جديدا ومبادئ كان غافلا عنها
عندما هزت ثورة 1919 أركان مصر وهو غائب عنها .

وقد كشفت له الثورة عظمة الشعب وقدرته علي إخضاع أعتي القوي الاستعمارية ،
كما كشفت له تضحية الأفراد والجماعات بالمال والنفس والأبناء في سبيل
الاستقلال وعزة مصر ، وتصدر الشعب في ديوان شوقي محل القصر ، وهتف قائلا :

       زمان الفرد يا فرعون ولي ودالت دولة المتجبرينا
 علي حكم الرعية نازلينا        وأصبحت الرعاة بكل أرض

وقد تجسدت تضحيات الشعب المصري في المطالبة بالدستور الذي " يلجم الحكومة
بلجام من حديد " علي حد تعبير الزعيم مصطفي كامل ، وقد وضع هذا الدستور
سنة 1924 ولكن الملك فؤاد سعي إلي إبطال العمل به لأنه اعتبره استنقاصا
لسلطة الملك وتقليلا من شأنه في أعين الجماهير . غير أن شوقي هزته النخوة

وهو يستمع إلي بطولات الأبطال تتلي علي مسامعه وود لو كان رآها عن كثب حتي
تفجر فيه شاعريته . وفي هذا الصدد قال :

 لنظمت للأجيال ما لم ينظم         يوم البطولة لو شهدت ناره
لو لا عوادي النفي أو عقباته والنفي حال من عذاب جهنم  
          لجمعت ألوان الحوادث صورة مثلت فيها صورة المستسلم

فما كان شوقي إلا أن يحث الناس علي التمسك بهذا المكسب لأنه وجه من وجوه سلطة الشعب .
يقول شوقي :

 تبيتوا علي يأس ولا تتضجروا        ويا طالبي الدستور لا تسكتوا ولا
اعدوا له صدر المكان فإنني  أراه علي أبوابكم يتخطر   

ولما أفتتح أول برلمان مصري في 15 مارس سنة 1924 م قال شوقي قصيدة أشاد
فيها بالحكم النيابي وعده مظهراً للحرية والسيادة وثمرة لنضال الشعب
وامتداداً للحكم الشوري الذي نص عليه الإسلام ، ومما يقول في هذه القصيدة :

 ظلاً علي الوادي السعيد ظلالا      البرلمان غداً يمد رواقه
 دنت القطوف وذللت تذليلا          قل للشباب اليوم بورك غرسكم
 وضعوا علي أحجاره إكليلا         حيوا من الشباب كل مغيب
 جماً وحظ الميت منه جزيلا         ليكون حظ الحي من شكرانكم
 حتي يري جنديه المجهولا           لا يلمس الدستور فيكم روحه

وتيقن شوقي أن هذه المكاسب مهددة وأن العقول التي آمنت بسلطة الفرد أو
سلطة الاستعمار لابد أن تهدمها بمعاولها الرجعية ، فحث علي صيانة هذه
المكاسب بفضل العلم والمعرفة واليقظة الدائمة ، ودعا إلي اختيار ممثلي
الشعب اختيار واعياً يدل علي ما بلغه الفرد من معرفة بحقوقه ، فاستمع إليه
يتوجه إلي الشعب المصري قائلاً :

 ت من المجلس قابا           الها الشعب لقد صر
 وكن الحر انتخابا             فكن الحر اختياراً
 ليس تألوك ارتقابا        
     إن للقوم لعيبا
 ب علي الصدق وشابا         فتخير من كل شـ

بهذه الحماسة للدستور والبرلمان ولمن دافع عنهما مثل سعد زغلول كان شعر
شوقي معبراً عن طموح الناس في الحرية والاستقلال وبناء الوطن بناء جديداً .

ثانياً : التسامح الديني

كان شوقي يأخذ نفسه بالتسامح الديني وخاصة بين المسلمين والأقباط إذ كان
يعتبر المتشيعين للإسلام والمسيحية أمة واحدة منذ عشرات القرون وأنهم
جميعا أبناء النيل ومن طينه ومائه .

وكثيرا ما نبه شوقي المسلمين والمسيحيين علي حد سواء إلي أن المصريين
جميعا شركاء في الآلام ، أما اختلاف الدين فلا يصح أن يكون عاملا للفرقة
والانقسام فالمسلم يتجه إلي الله والقبطي يتجه إلي الله كذلك :

 فهذا تشبت بمحال           يا بني مصر لم أقل أمة القبط
 أمة وحدت علي الأجيال        إنما نحن ، مسلمين وقبطا
         سبق النيل بالأبوة فينا فهو أصل وآدم الجد تال
        مر ما مر من قرون علينا رسفا في القيود والأغلال
 في يديه ومن مشي بهلال            وإلي الله من مشي بصليب

ثالثاً : التنويه بالثورة العربية

لم تكن البلدان العربية في مطلع القرن العشرين أفضل حالا من مصر ، بل كانت
جميعا ترزح تحت الاحتلال الأوروبي يسومها ألخسف و المذلة, ويعبث بأموالها
وأرواحها, ويشككها في قدراتها على ألعلم والنمو والانبعاث . وقد نظر شوقي
إلى البلاد العربية شرقا وغربا فلم يجد إلا الخضوع إلى الهيمنة , هيمنة
الحاكم المحلي ينصبه الاستعمار ويدعمه .

وقد حزن شوقي للبلاد العربية : يجثم الإنجليز علي صدر مصر والفرنسيون علي
صدر سوريا وشمال أفريقيا والطليان علي صدر ليبيا . ومن دوافع قصائده ما
قاله في " نكبة دمشق " وقد أسي لعدوان فرنسا علي سورية وعبثها بآثارها
ومعالمها الإسلامية ، وهي التي كانت بالأمس تبش بالحرية وتنصب نفسها حامية
للحقوق الإنسانية والمبادئ السامية ، إلا أن الاستعمار وإن أخفي وحشيته
فإلي حين ثم تنفضح في ممارسته وقد ندد شوقي في هذه القصيدة بفرنسا قائلاً :

        وللمستعمرين وإن ألانوا قلوب كالحجارة ولا ترق
 وتعلم أنه نور وحق          دم الثوار تعرفه فرنسا
 وزالوا دون قومهم ليبقوا     بلاد مات فتيتها لتحيا
وحررت الشعوب علي قناها  فكيف علي قناها تسترق ؟

غير أن المدافع التي هدمت دمشق لم تكن نهاية النضال حسب شوقي ، بل هي حافز
علي مقاومة الاحتلال الفرنسي والنزوع إلي حرية ثمنها باهظ ، ولئن كان
التوجه إلي سوريا فالخطاب موجه إلي كل بلد عربي ابتلي بالاستعمار .

لمتابعه الجزء الاول

لمتابعه الجزء الثالث

0 التعليقات:

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | 100 Web Hosting ta3rib : Abed